القائمة الرئيسية

الصفحات

حادثة دنشواي..اول حكم اعدام في مصر

حادثة دنشواي

 #حادثة_دنشواي

وإنتَ قاعد كده سنة 2020م، وشايف إن فيه كوارث عماله تحصل في العالم، تعالى اخدك معايا في مشوار، نرجع مع بعض سنين لورا، نرجع 114 سنة، لسنة 1906م، وقت الاحتلال الإنجليزي، نشوف الحياة كانت ازاي، وهحكي لك عن حادثة من أبشع ما يكون، راح ضحيتها ناس زيي وزيك كانوا قاعدين بيمارسوا حياتهم الطبيعية، وفجأة اتحولت لجحيم!
اتحكم عليهم بالموت من قضاء مصري، علشان يرضوا الاحتلال الغاشم.
-
في وقت الاحتلال البريطاني، كان فيه بعض الضباط من الجيش والموظفين البريطانيين عندهم عادة بيعملوها دايمًا، وهي إنهم بيتحركوا في الأرياف ويصطادوا حمام، مع إن القانون البريطاني وقتها كان بيمنع ده، ولكنهم استمروا في ممارسة العادة دي.
يوم الاتنين 11 يونيو سنة 1906م، اتحركت كتيبة مكونة من 150 جندي بريطاني من القاهرة للإسكندرية بطريق البر، وبعد يومين وصلت يوم الأربع 13 يونيو لمنوف في المنوفية، في الوقت ده كان فيه 4 ضباط ودكتور اتفقوا إنهم يصطادوا حمام في المنوفية، فبلغوا مأمور المركز إنهم هيصطادوا في بلدة دنشواي، ودي بلد صغيرة في مركز شبين الكوم.
الخمسة كانوا عبارة عن:
الميجور (بين كوفن) قومندان الكتيبة، والكابتن (بول)، والملازمين (بورثر) و(سميث)، والطبيب البيطري (بوستك)!
فالمأمور طلب من (عبد الحميد بك سلطان) أحد أعيان البلد إنه يجهز لهم عربية عند السكة الزراعية توصلهم لبلدة دنشواي، وفعلًا رحب بالموضوع وجاب لهم عربية.
اتحركوا الـ5 ضباط وكان معاهم أومباشي بوليس نقطة الشهداء، وترجمان مصري، راح الأومباشي للعمدة يبلغه إن فيه ضباط جايين يصطادوا في دنشواي، علشان ياخد احتياطاته ويمنع احتكاك الأهالي بيهم، ولكن العمدة مكنش موجود في الوقت ده!
الضباط مستنوش حضور العمدة، ولا رجوع الأومباشي، واتقسموا لفريقين، فريق وقف على السكة الزراعية لصيد الحمام من الشجر، ودول محصلش معاهم أي حاجة!
ولكن اللي يهمنا الفريق التاني المكون من الـ5 اللي ذكرناهم، اتحركوا وسط القمح في دنشواي علشان يصطادوا الحمام منها، فاللي حصل إن كان فيه حمامتين واقفين على جرن لمؤذن القرية وكان اسمه (محمد عبد النبي)، والجرن ده اللي بيتجمع فيه القمح، وكان شغال فيه (شحاتة عبد النبي) أخو (محمد).
واحد من الضباط بدأ يضرب النار من بندقيته على الحمام، في نفس اللحظة كان فيه شيخ معدي اسمه (حسن على محفوظ) عنده 75 سنة وده أول شخص اتحكم عليه بالإعدام!
زعق للضابط وطلب منه يبطل يضرب نار علشان الجرن ميتحرقش، فخرج (شحاتة عبد النبي) وزعق هو كمان للضابط وطلب منه إنه يبعد عن المكان، ولكن الضابط تجاهلهم وضرب النار على الحمام، واللي حصل وقتها كان كارثة!
الضابط بدل ما يصيب الحمام، الطلقة جت في مرات الشيخ (محمد عبد النبي) المؤذن، والطلقة التانية جت في الجرن، فوقعت السيدة في الأرض بتنازع الموت، والجرن اتحرق!
(شحاتة عبد النبي) فضل يصرخ ويزعق مصدوم مش مستوعب اللي بيحصل، وجري على الضابط، ومسك البندقية بيحاول ياخدها منه، ولكن الضابط فضل ماسك في البندقية وبدأ صراع بينهم، في نفس اللحظة الستات والأطفال في المكان اتلموا عليهم وفضلوا يصرخوا وينادوا:
- الخواجة قتل الست، وحرق الجرن، الخواجة قتل الست، وحرق الجرن.
لك أن تتخيل اللي حصل بعدها، الناس اتلمت حوالين الضابط، فاندفع باقي الضباط الانجليز علشان يساعدوا زميلهم، وفي نفس اللحظة وصل شيخ الخفر ومعاه الخفراء علشان يحلوا المشكلة، ولكن الضباط افتكروا إن شيخ الخفر واللي معاه جايين يضربوهم بالنار ويقبضوا عليهم، فبدأ الضباط يضربوا النار على الناس زي المجانين، فواحد منهم ضرب شيخ الخفر في فخده فوقع على الأرض، وطلقتين تانيين أصابوا اتنين من الخفر، فبدأت الناس في الهياج وتصرخ وتقول:
- شيخ الخفر اتقتل.
وقامت القيامة مقعدتش، الناس بدأت تجيب الطوب والعصيان والنبابيت، ونزلوا ضرب في الضباط، فالميجور (بين كوفين) قومندان الكتيبة دراعه اتكسر، والملازمين (سميث) و(بورثر) اتجرحوا جروح خفيفة، وبعدين الخفر قدروا يسيطروا عليهم وقبضوا عليهم وخدوا منهم الأسلحة، وحبسوهم لحد ما جيه ملاحظ بوليس النقطة وخدهم ووصلهم المعسكر.
ولكن القصة هنا مانتهتش، الكابتن (بول)، والطبيب البيطري لما الناس بدأت تضرب فيهم، جريوا زي المجانين، بيحاولوا يهربوا، وكان الكابتن مصاب في دماغه إصابة كبيرة، فضلوا يجروا لحد ما قطعوا مسافة 8 كيلو متر تحت حرارة الشمس، واللي حصل ده كان في الصيف، الكابتن جاتله ضربة شمس وقع في الأرض على باب سوق سرسنا، قرب منه الطبيب يساعده لقاه مات، سابه وكمل طريقه، وفضل يجري لحد ما وصل لمعسكر الكتيبة.
ضباط الكتيبة مكنوش يعرفوا القرى كويس، أول ما شافوا الطبيب جاي وقع في الأرض وبيلفظ أنفاسه الأخيرة، قوموه وفهموا منه اللي حصل، وركبوا العربيات واتحركوا لحد ما وصلوا سرسنا، وافتكروا إنها دنشواي، فشافوا الكابتن واقع في الأرض ميت، وكان فيه فلاح مصري اسمه (سيد أحمد سعيد) بيحاول يشربه مياه، افتكروه واحد من اللي ضربوه، فنزلوا عليه ضربوه بالبندقيات وطعنوه بسكاكين سن البدقيات لحد ما مات بين إيديهم، وكأنه كلب ملوش أي دية، رغم إنه كان بيحاول يساعد الضابط، وماحدش اتحاكم بسبب قتله، واتعرف فيما بعد بشهيد سرسنا.
وبدأت الأخبار تنتشر لحد ما وصلت لجنود الاحتلال في القاهرة والمنوفية، وأول ما عرفوا إن ضباطهم أُصيبوا ومات الكابتن (بول)، أصابهم غضب كبير جدًا وقرروا ينتقموا أشد انتقام.
ورغم إن الواقعة أصلًا بسبب الضباط الإنجليز اللي تعدوا على المؤذن وضربوا زوجته بالنار، وكمان بيصطادوا حمام ملك للمواطنين، إلا إن الاحتلال الانجليزي قرر ينتقم!
اتحرك المستر (متشل) مستشار وزارة الداخلية لمكان الحادثة وقت وقوعها، وعمل تحقيق سريع، بعدها بدأت الحكومة في القبض على الأهالي، ونشرت صحيفة المقطم اللي كانت بتدعم الاحتلال وقتها يوم 18 يونيو قبل ما ينتهي التحقيق، وقالت إن المفروض الحكومة تجهز المشانق ويبعتوها لمكان الواقعة علشان اللي تسبب في الجريمة يتشنق، طبعًا قصدهم على الفلاحين المصريين.
وعرف الناس وقتها إن المحاكمة اللي هتتم هتكون ظالمة ومفيهاش أي عدل.
يوم 20 يونيو سنة 1906م، يعني بعد 7 أيام من الواقعة، أصدر كل من (بطرس باشا غالي) وزير الحقانية، ومستر (هيثر) نائب المستشار القضائي، ومستر (بوند) وكيل محكمة الاستئناف الأهلية، والقائد (لادلو) المسئول عن أعمال المحاماة والقضاء بجيش الاحتلال، و(أحمد فتحي بك زغلول) رئيس محكمة مصر الابتدائية وأخو (سعد زغلول)، و(عثمان بك مرتضى) سكرتير المحكمة، واتقدم في الوقت ده 52 متهم مقبوض عليهم، و7 هربانين!
وانعقدت المحاكمة يوم الأحد 24 يونيو 1906م، وبدأوا في سماع الشهود، وكانت من ضمنهم شهادة الدكتور (نولون) طبيب شرعي إنجليزي، وقال إن سبب موت الكابتن (بول) ضربة شمس ومش بسبب الإصابة اللي تعرض لها.
وكانت المحكمة متحاملة جدًا على المتهمين، حتى إن فيه شاهد اسمه (عبد العال صقر) كان بيتكلم وهو بيقول اللي حصل ذكر إنه حذر الضباط من الصيد داخل القرية، فرد عليه المستر (بوند) وقال:
- ألا تعرف أن هذه المحكمة تعاقب الشهود الزور؟!
فرد عليه وقال له:
- عارف.
فقال له (بوند):
- أنا أعرف المصريين أمثالك، وكيف تكون شهادتهم.
وفضلت المحكمة مستمرة 3 أيام.
يوم الأربع 27 يونيو، تم النطق بالحكم، واتحكم على 21 شخص، 4 منهم بالإعدام شنقًا، و2 اتحكم عليهم بالأشغال الشاقة، والباقي اللي اتحبس 15 سنة و7 سنيين، و3 اتحكم عليهم بسنة سجن والجلد 50 جلدة، و5 اتحكم عليهم بالجلد 50 جلدة.
واتنفذ الحكم بطريقة وحشية من الاحتلال الإنجليزي، واستخدموا وسائل تعذيب ضد المتهمين، والتنفيذ كان تاني يوم من الحكم، في نفس المكان اللي مات فيه الكابتن (بول)، واتنصبت المشنقة والجلد في ميدان عام، واتنفذ الحكم قدام الناس بأبشع الطرق.
في نص الليل، بدأ الحكم في إنهم شنقوا أول متهم، قدام الناس، وصراخ الستات والبكاء يحطم القلوب، وبعدين جلدوا اتنين، بعدين شنقوا التاني، وجلدوا اتنين، واستمر الموضوع بالشكل ده بدون أي رحمة.
رغم إن بعد الحادثة كان المصريين متشائمين من اللي ممكن يحصل، ولكنهم اتصدموا من الحكم وفظاعته، وشافوا إن مفيش أي عدل في تنفيذه، لأن أصلًا الحادثة حصلت بسبب الضباط الإنجليز، ومحصلش أي اعتداء من الأهالي إلا بعد إصابة السيدة بالنار، واتحرق الجرن، ومفيش غير ضابط واحد من الإنجليز اللي مات، والطبيب الشرعي قال إنه مات من ضربة شمس، ورغم كل ده اتعامل المصريين بوحشية وعدم إنصاف.
الأستاذ (أحمد حلمي) المحرر وقتها بجريدة اللواء، ختم كلامه في الجريدة وقال:
"كاد دمي يجمد في عروقي بعد تلك المناظر الفظيعة، فلم أستطع الوقوف بعد الذي شاهدته، فقفلت راجعًا وركبت عربتي، وبينما كان السائق يلهب خيولها بسوطه كنت أسمع صياح ذلك الرجل يلهب الجلاد جسمه بسوطه، هذا ورجائي من القراء أن يقبلوا معذرتي في عدم وصف ما في البلدة من مآتم عامة، وكآبة سادت على كل بيت، وحزن باسط ذراعيه حول الأهالي، حتى أن أجران أغلالهم كان يدوسها الذين حضروا لمشاهدة هذه المجزرة البشرية، وتأكل فيها الأنعام والدؤاب بلا معارض ولا ممانع، كأن لا أصحاب لها ومعذرتي واضحة، لأني لم أتمالك نفسي وشعوري أمام هذا البلاء الذي ليس له من دافع إلا بهذا المقدار من الوصف والإيضاح."
وكتب عن الحادثة الشاعر الكبير (أحمد شوقي)، والشاعر (حافظ إبراهيم).
وسنة 1906م، كتب الكاتب الإنجليزي الكبير (جورج برنارد شو) عن الحادثة:
"إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تريد أن تحكم العالم كما فعلت في دنشواي، فلن يكون على وجه الأرض واجب سياسي مقدس وأكثر إلحاحًا من تفويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها."
وفي النهاية يا عزيزي القارئ، صعب اوصف لك شعوري وأنا ببحث وبتعمق وبعرف أكتر عن الحادثة، كان قلبي بينزف دم على كل من ضاعوا هباءً بسبب الاحتلال، لو أنهم حاولوا بكل الطرق تجميل أنفسهم، صدقني سيظل الكره والحقد والغل في قلوبهم مزروعين، هيفضلوا دايمًا عاوزين يمسحوا وجودك من على الأرض، هيفضلوا دايمًا شايفين إن احتلالهم حق مكتسب، وإننا لازم نكون عبيد لأطماعهم، ولكننا أحرار، وسنظل، مهما حاولوا إسقاط أي عربي، تكفي عزة النفس الموجودة في أنفسنا، لن نُهزم.
المصادر:
- مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية، لعبد الرحمن الرافعي، سنة 1984م، صدر عن دار المعارف.
-
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع